تشكلات الرأي العام في الفضاء العمومي

 تشكلات الرأي العام في الفضاء العمومي:

من المنظور الهابرماسي إلى النماذج الرقمية المعاصرة.

الرأي العام والفضاء الرقمي

أ د تمار يوسف.

جامعة الجزائر 3. 

ملخص.

لازال الرأي العام Opinion Publique وفضاءه العمومي Espace public، من بين المواضيع الأكثر اهتماماً سواء من طرف الباحثين أو من طرف أصحاب السلطة السياسية، الكل يحاول فهمه أو مراودته وكسبه لإضفاء الشرعية على القرارات أو بحثًا عن المساندة و التأييد، و مع ظهور التكنولوجيا الحديثة للاتصال، كان من المتوقع إعادة تنشيط الفضاء العمومي الحقيقي بالمفهوم "الهابرماسي"، اعتمادًا على القدرات الكبيرة للأنترنت  في التوسع والانتشار على نطاق عالمي لشبكة فضفاضة تشكل ما يعرف باسم "الفضاء الرقمي"  الذي يظهر كمكان يحقق أكثر، مبدأ المساواة و العدالة الاجتماعية، مقارنة بالعديد من الأماكن غير الإلكترونية، حيث تتشكل لدى الأفراد هويات عامة ومجردة، مما يعني أنهم لا يرون أنفسهم عمومًا باعتبارهم أبناء وبنات فلان، أو جزءًا من عائلة أو سلالة، أو كمواطنين بدولة في المقام الأول، وإنما يرون أنفسهم، أفرادًا وأشخاصًا مستقلين وعقلانيين، يمارسون حياتهم بناءً على مبادئ عامة وأسباب محددة تنطبق عليهم على حد تعبير كل من جيمس جوردن فينليسون، يورجن هابرماس.

إن الاهتمام بالرأي العام وفضاءه الافتراضي، أصبح أكثر من ضرورة، ذلك أن هذا الفضاء وإن كان يسمح بحرية التعبير وتداول المعلومات وتنمية المشاركة السياسية، فإنه في نفس الوقت يمكن أن يكون فضاء للهدم والفوضى ونشر التطرف أو مصدر المعلومات الزائفة حيث يهدد استقرار الأنظمة المجتمعية بل وتهدد حتى مكونات الدولة وأسسها.

نسعى من خلال هذه المحاولة، إلى التذكير بمفاهيم الرأي العام وفضاءه العمومي من جهة، والتعرّف على الكيفية التي أصبح يعمل بها الرأي العام في ظل ما توفره له التكنولوجيات الحديثة للاتصال، ومن تمت المناداة بدراسته والاهتمام به أكثر من أي وقت مضى.

الكلمات المفتاحية: الرأي العام، الفضاء العمومي، الفضاء العمومي الافتراضي. 

Abstract

Public opinion (opinion publique) and its public sphere (espace public) remain among the topics that continue to attract significant attention, both from researchers and from political authorities, who seek to engage and win over public opinion in order to legitimize their decisions and gain support and endorsement. With the advent of modern communication technologies, it is expected that the genuine “Habermasian” public sphere will be revitalized, drawing upon the vast potential of the Internet. This potential lies in its capacity for global expansion and dissemination through a flexible network that constitutes what is commonly known as cyberspace — a realm that appears to embody the principles of equality and social justice more effectively than many non-digital spaces.

Within this context, individuals tend to construct abstract and universal public identities. This implies that they no longer perceive themselves primarily as sons or daughters of a particular family, as members of a lineage, or even as citizens of a specific nation. Rather, they see themselves as independent and rational individuals who conduct their lives according to general principles and shared reasons — as articulated by James Gordon Finlayson and Jürgen Habermas.

The growing interest in public opinion and its virtual sphere has thus become more than a necessity. Although this digital space allows for freedom of expression, the exchange of information, and the enhancement of political participation, it can simultaneously become a domain of disruption, disorder, and the spread of extremism and misinformation — posing a threat to the stability of social systems and even to the very foundations of the state.

Through this study, we aim to revisit the key concepts of public opinion and the public sphere, and to explore the ways in which public opinion operates under the influence of contemporary communication technologies. Accordingly, it is necessary to call for deeper analysis and greater scholarly attention to this evolving phenomenon.

Keywords: Public opinion, public sphere, virtual public sphere.

 مقدمة.

الحديث عن الرأي العام ليس حديث جديد في العُرف العلمي والممارسات السياسية، إذ نجد له أثار في الكتابات الأولى لفلاسفة اليونان والإغريق قبلهم، ليس بنفس التسمية لكن بنفس الوظائف (صوت الشعب، الإرادة العامة، سلطة الجماهير) لكن المؤرخون لهذا المفهوم يحددون مرحلتين تم الحديث العلمي فيه، المرحلة الحديثة – أي مع الثورة الفرنسية عام 1789 – حيث كان له معاني أكثر فلسفية وسياسية القصد منه القوة المؤثرة في شرعية الحكم، ومن رواد هذا المعنى نجد جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) الذي استخدم مصطلحًا قريبًا من الرأي العام هو "الإرادة العامة" (General Will)، وجون لوك (John Locke) الذي تحدّث عن "قانون الرأي" أو "قانون السمعة" وهو يلمح إلى الرأي العام كما نعرفه اليوم، و ديفيد هيوم (David Hume) الذي أكد أن الحكومة تقوم على الرأي و غيرهم كثير.

أما المرحلة الثانية التي حددها المؤرخون للحديث عن الرأي العام، فهي مرحلة الدراسة التجريبية والمنهجية (فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين) حيث ظهرت محاولات قياسه (الاستطلاعات والمسوح المنهجية) كما تم ربطه بـمجال علم النفس الاجتماعي وعلم الاتصال وعلوم الإعلام والاتصال.

أما في مقامنا هذا، فإننا نعتقد أنه يمكن إضافة مرحلة ثالثة تجلت مع ظهور حوامل التكنولوجيا الحديث وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، نتج عنها بروز إشكاليات شرعية في طرحها حول التغيرات التي طرأت على مفهوم الرأي العام من جهة، ثم من حيث أشكال التعبير التي يأخذها من جهة أخرى، فماهي أشكال التعبير التي أصبح يتمظهر بها الرأي العام عبر الفضاء الرقمي؟.

لكن قبل ذلك من المفيد أن نفهم معنى الرأي العام وفضاءه العمومي أي المجال الذي ينمو ويتطور في إطاره الرأي العام، و لعل أكثر من تناول هذا الموضوع، هو يورغن هبرماس المفكر الألماني *، فماذا يرى هذا المفكر في الرأي العام؟.

1.      مفهوم الرأي العام كمنطلق لفهم الفضاء العمومية.

قبل الحديث عن الأشكال الجديدة للتعبير عن الرأي العام، من المفيد تحديد أولاً الرأي العام، ما لمقصود بهذا المفهوم؟ و لماذا هو على هذا القدر من الصعوبة في تحديد تعريف دقيقة له؟.

ترجع أهم صعوبة في إيجاد تعريف شامل وموحد للرأي العام، إلى زاوية التخصص التي يُنظر منها إلى هذه الظاهرة، فبين علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم النفس الاجتماعي وعلم الإعلام والاتصال، كلن له وجه نظر فيما يعني الرأي العام، فمثلاً يرى المختصون في علم الاجتماع، أن الرأي العام هو نتاج تفاعل اجتماعي، بينما خبراء السياسة يرون فيه وسيلة من وسائل التأثير على القرارات السياسية الصادرة عن السلطة السياسية، وعند علماء النفس الاجتماعي الرأي العام هو اتجاهات الناس الناتجة عن سلوكياتهم وشخصيتهم، أما الرأي العام عند خبراء الإعلام و الاتصال، فهو فعل اتصالي يؤثر أفراده و يتأثرون بالرسائل الإعلامية التي يتلقونها أو على الأقل هي جزء من تكوينه.

يرى العلامة حامد ربيع أن الوظيفة الاتصالية هي جوهر وظائف الدولة المعاصرة، وذلك بجوانبها المختلفة أو وظائفها الفرعية ومحورها تكوين الرأي العام في مجتمع معين لكي يكون صالح للقيام بأدواره أو وظائفه سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي (1)، و عليه الرأي العام بالنسبة له يعبر عن رأي الأغلبية وليس كل أفراد الجماعة، وأن له خصائص تجعله ساكناً وكامناً حتى تظهر قضية مهمة تثير قلق الأفراد.

إنّ غموض مفهوم الرأي العام، يكمن حسب اعتقادنا في إيجاد مفهوم له يتفق عليه الكل، وهذا الغموض نعتبره بالأمر المألوف وذلك لعدّة دوافع من بينها أنه، التصور العام، الذي يرتبط بخصائص الشخص الذي من سماته المعهودة التعقيد من جهة التنشئة الاجتماعية والتباين الثقافي من الجهة الغريزية، فمن هذه المعطيات يمكننا وبمستويات مختلفة استيعاب التوضيحات العديدة التي أُعطيت لمفهوم "التصور العام" الذي لا يكون بمعزل عن المحيط والمحتوى اللذان يتشكلان فيهما.

على الضفة الأخرى من الطرح، هناك من لا يؤمن بظاهرة الرأي العام بخاصة إذا ما تعلق الأمر بالمنطقة العربية، حيث يرى هؤلاء أن شروط ظهور الرأي العام، غير متوفرة في الأنظمة العربية، وهم يستندون في رأيهم هذا، على غياب الديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي والتعبير .. أي الأرضية التي ينبغي أن تتوفر كشرط ظهور الرأي العام وتمظهره، وعلى هذا الأساس المسألة الأساسية حسب تصورنا هي: هل الرأي العام موجود في كافة الأنظمة؟ لقد سبقنا في هذا الطرح الكثير من كبار المفكرين في الرأي العام، وكان بين أغلبهم إجماع على وجوب وجود رأي عام بالمعنى الفعلي للكلمة بشروط محددة لا تستطيع الأنظمة الاستبدادية توفيرها، فهذا يورغن هابرماس Jürgen Habermas الذي يُعتبر من أكثر المدافعين عن مفهوم "الفضاء العام" كشرط لوجود رأي عام صادق، يَرى أن الرأي العام لا يُمْكِن أن يظهر إلا في فضاء تُتَاحُ فيه حرية الحوار وتداول الآراء بين الأفراد، أي فضاء يسمح بتبادل البراهين بعيداً عن الإجبار أو التخويف، وقد لخص رأيه هذا في مقولته البارزة (عندما تُقَيَّد حرية النقاش، يتحول ما يُشار إليه بالرأي العام إلى مجرد صدى للإعلان الرسمي)، ووفقاً لوجهة نظره دائماً، في غياب حرية التعبير والتنوع الإعلامي، لا يتشكل رأي عام، بل "رأي رسمي" تُنتجه السلطة.

ويدعم الطرح السابق جورج بيردو (Georges Burdeau) الذي يرى بدوره أن الرأي العام هو قوة معنوية تُراقب وتُسدّد السلطة، لكن هذه القوة تقتضي إدراكاً مجتمعيًا ومجالاً متحررًا للتعبير ولهذا، في الهياكل غير التداولية، قد يتواجد ما يمكن تسميته "رأي قومي" أو "توجه سائد"، لكنه لا يصل إلى "الرأي العام" بمفهومه السياسي والاجتماعي الأصيل، لكونه وليد الإرشاد الحكومي أو الإعلامي وليس للمحاورة المطلقة.

من جانبه يشدد ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville) في مؤلفه "الديمقراطية في أمريكا"، على أن هناك بين ظهور الرأي العام والديمقراطية صلة وثيقة، فهو يرى أن حرية الإعلام والتجمع والتعبير هي التي تخلق الفكر العام، وأن انعدامها يُفضي إلى "رأي مُكَتَّم" أو "استسلام جمعي"، بدلاً من حوار مجتمعي مُدرك، (حيث يُحظر على الأفراد التحدث، يسود السكون، لكن لا يوجد رأي عام).

كما أن والتر ليبمان (Walter Lippmann) في كتابه Public Opinion (1922)، رأى أن تشكّل التصور العام يتطلب تدفقًا طليقًا للمعلومات وإعلامًا مستقلاً، وأن الأنظمة الاستبدادية تحجب المعطيات وتُنتج "صورة مغلوطة" للعالم، مما يجعل ما يُسمى بالرأي العام، مجرد تردد للدعاية الحكومية وليس رأيًا نابعًا عن إدراك جمعي.

اتفاق المفكرين الكبار — من هابرماس إلى توكفيل وبيردو — يشدد على أن الرأي العام الصادق لا يمكن أن ينشأ في ظل انعدام حرية القول، وتنوع مصادر النشر، وحيادية الساحة العامة، وما يوجد في الأنظمة غير المرنة، ما هو إلا "رأي مُوجَّه" أو "رأي مُعتمد"، يُصاغ من الأعلى، ولا يمثل الإرادة المجتمعية بأمانة.

يمكن الجزم بأن غياب أركان الديمقراطية وحرية القول لا يلغي التوجهات أو المواقف في المجتمع، ولكنه يمنعها من التحول إلى رأي عام مؤثر، فالرأي العام ليس مجرد حشد للآراء الخاصة، بل هو تعبير جماعي مدروس ضمن مجال طليق ومفتوح، وهذا لا يمكن بلوغه إلا في إطار ديمقراطي أصيل.

2.      الفضاء العمومي في منظور يورغن هبرماس.

يعتبر الفضاء العمومي واحداً من أهم المفاهيم المفتاحية التي يُعتمد عليها في قراءة العلاقة بين السلطة و

المجتمع في المجال و المضمون السياسي الحديث، ولا شك أن يورغن هبرماس Jürgen Habermas  من أكثر

المفكرين الذي وصفوا وحللوا الفضاء العمومي بشكل دقيق مبرزاً كل مكوناته، فكان يرى فيه المجال الاجتماعي

الذي يجتمع فيه الأفراد المتساوون في الحقوق  وفي الفرص للنقاش الحر والمفتوح حول القضايا العامة، حيث

كان هاجسه الأساسي، هو إيجاد فضاء لبلورت الرأي السياسي و انتقاله إلى النخبة الحاكمة، إذ يرى أن الفضاء

العمومي هو "مجال يتكون من أفراد خاصين يجتمعون معًا كـ «جمهور» ويستخدمون عقولهم بشكل علني ونقدي

لمناقشة المسائل ذات الاهتمام العام، مما يتيح لهم الفرصة لتشكيل رأي عام معارض ومراقب لسلطةالدولة"(2).

أخذ هبرماس مفهوم الفضاء العمومي عن إيمانول كانك Immanuel Kant (1724 – 1804) الذي قال به وتم استعماله بكثرة في مجال التحليل السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي، فهو الفضاء الوسيط الذي تكوّن تاريخيًا في زمن الأنوار بين المجتمع المدني و الدولة، و أصبح يشكل المجال المفتوح للمواطنين لتقديم جميع آرائهم حول القضايا ذات الاهتمام المشترك لتكوين رأي عام (3). و بلغة كانط الفضاء العمومي هو البيئة الافتراضية و (المادية) التي يتجمع فيها "المفكرون" (بمعنى الأفراد الأحرار) لاستغلال عقولهم بشكل علني، وقد تجلت هذه البيئة في حقبته عبر الصحف، والمجلات الأدبية والعلمية، والكتب، والنقاشات الفكرية، والجامعات، هذه البيئة ينبغي أن تحظى – حسب كانط - بحماية من قبل الدولة (التي تفرض الانضباط في المجال "الخاص") دون أن تتدخل في محتواها، و أخذ هابرماس من كانط فكرة أن الحقيقة والشرعية تنبثقان من النقاش الحر والعقلاني بين أفراد أحرار ومتساوين دون أن يكون للدولة تدخل في توجيه أو قمع هذا النقاش أو تدخل سلطة السوق.

لكن لماذا أطروحات هبرماس بالذات؟.

إذا كان الفضاء العمومي كما تحدث عنه هبرماس، يعني ذلك المجال الذي يتم فيه التحاور والمناقشة وتبادل إمكانية التواصل والتفاعل لمناقشة قضايا مجتمعهم المختلفة، فإن فضاءات الانترنيت الاتصالية تُعد تجسيدًا فعليًا لما تحدث عنه هبرماس، وبالخصوص فضاء التدوين الذي ينتعش بالحوارات والنقاشات العديدة بين أطراف وشرائح المجتمع، بداءً من المواطن العادي و الصحفي، وصولاً إلى السياسي و هو ما يجعله وفقًا للباحثين، الفضاء الأمثل الذي يجسد الفضاء العمومي  (4) .

تُعد أفكار يورغن هبرماس حول الرأي العام والفضاء العمومي، جديرة بالدراسة و التأمل، و ذلك لعدة اعتبارات:

-       يرى هبرماس أن الديمقراطية لا تقوم فقط على المؤسسات والانتخابات، بل وكذلك على نقاش عقلاني حرّ بين المواطنين في فضاء عمومي مفتوح يسكنه الرأي العام بعيداً عن التلاعب السياسي والإعلامي.

-       تُعد أفكار هبرماس حول نظرية الفعل الاتصالي، توضيحًا للشكل الذي يأخذه الفعل الاتصالي العقلاني في تشكيل التفاعل والتفاهم الاجتماعي، هذا الفعل الذي يمكن أن يكون أداة للتحرّر أو أداة للهيمنة.

-       كما تساعد أفكار هبرماس، في تحليل دور وسائل الإعلام والتكنولوجيا الرقمية في تشكيل الخطاب العام اليوم.

-       قد تساعدنا آراء وأفكار هبرماس، في نقد وتحسين الواقع العربي المعاصر للفضاء العمومي، ذلك أن هذا الأخير عنده، ليس مجرد مفهوم غربي، بل أداة يمكن توظيفها لتحليل الواقع العربي.

-       يرى هبرماس، أن المجال العام يتشكل ويتكون من خلال إتاحة ساحات ومنتديات للنقاش في القضايا السياسية تعني وتعمل على إعادة تنظيم وبلورة الآراء المعروضة بشأن تلك القضايا وترشيحها وفق جدارتها، ووفق ما تحظى به من اهتمام عام من قبل المُشاركين في النقاش.

في مجملها، تساعدنا هذه الاعتبارات، في فهم تقلبات الرأي العام وإعادة شروط تشكيله في الفضاء الرقمي، صحيح أن هناك فرق بين الفضاء العمومي الواقعي والفضاء العمومي الافتراضي، لكنه ليس جوهري باعتبار أن الرأي العام الذي يسكن الفضائيين لازال يسير بنفس المبادئ لكن بطرق أخرى، وهذا ما سوف نراه فيما سيأتي من هذه الدراسة.

3.      شروط تمظهر الرأي العام.

حتى يتمظهر الرأي العام، لابد من توفر العديد من الشروط، بمعنى آخر قد يمر الرأي العام على مراحل تكوينه، لكنه قد لا يتمظهر بالضرورة، بلغة أخرى في الكثير من الأحيان تظهر قضية تتعلق بحياة الأفراد، يتناقشون حولها وتُطرح حولها آراء ومواقف متقاربة أو متخالفة، لكن لا يصل إلى أن يتمظهر أي لا يخرج أفراد الرأي العام إلى الشارع مثلاً للتعبير عن رأيهم أو موقفهم من تلك القضية، ولكي يعبر الرأي العام عن مواقفه وآراءه ينبغي أن تتوفر بعض الشروط أهمها:

-          وجود بيئة سياسية ملائمة تتوفر فيها الحريات العامة، أي حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الاجتماع والتجمع السلمي، كما ينبغي أن تتوفر فيها بيئة ديمقراطية تسمح بالتعددية السياسية وانتخابات حرة ونزيهة ..

-          نظام إعلامي يضمن حرية الإعلام عبر وسائل متنوعة تمثل مختلف الاتجاهات، كما ينبغي أن يوفر هذا النظام حق الفرد للوصول إلى المعلومات.

-          فضاء عمومي مهيأ للحوار والنقاش العام مع شرط مشاركة فاعّلة للمواطنين في الشأن العام، و قبولهم لثقافة الحوار والاختلاف.

-          وجود شروط تشريعية تضمن الحقوق الأساسية للمواطن وتحمي حرياته.

-          شروط نفسية قائمة على اقتناع المواطنين بقدرتهم على التأثير دون خوف من التعبير عن الرأي.

كما يمكن الحديث عن شروط أخرى، تجعل إمكانية تمظهر الرأي العام بأكثر سهولة بعدما أخفقت الهيئات الوسيطة (الأحزاب السياسية، جمعيات المجتمع المدني، النوادي ..)، التي كانت تضطلع بدور في إيصال احتياجات الشعوب إلى الإطار السياسي لكي تُصاغ في شكل مقررات أو استراتيجيات، هذا الإخفاق حثّ الفئات المهمشة إلى تجاوز تلك الهيئات بفضل قدرتها على توظيف أدوات الإعلام المُستحدثة في بث مطالبها والضغط على الإطار السياسي وكذلك التأثير في الرأي العام، وساعدهم في ذلك ما أصبحت تُقدمه تلك الأدوات من سمات فريدة مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، إضافة إلى قلة تكلفتها وسرعة انتشارها وحُسن تنظيم الرسالة الإعلامية فيها، وهو ما يتوافق مع تطلعات تلك المجموعة الاجتماعية المستجدة التي حازت قسطاً من الإلمام بالإنترنت، ولديها أمل في إحداث تحول مجتمعي أو سياسي يساعد في تلبية متطلباتها.

 

4.      صور تمظهر الرأي العام التقليدي.

يحدثنا التاريخ، على الكثير من واقع تمظهر الرأي العام، لا يسع المجال إلا لذكر بعضها، فقد شاهد العالم حديثًا، جملة من مظاهرات الرأي العام التي أدت دورًا أساسيًا في صياغة التغيرات السياسية والاجتماعية، ففي الولايات المتحدة مثلاً، شكّلت حركة الحقوق المدنية (1954-1968) مثالاً واضحًا للكفاح السلمي ضد التفرقة العِرقية، حيث اندفع الأمريكيون من أصول أفريقية للمطالبة بالتكافؤ والإنصاف، وكان من أبرز أماكنها مسيرة واشنطن عام 1963 التي ألقى فيها Martin Luther King Jr عبارته الشهيرة  «لدي حلم» وتمخضت في المحصلة عن إصدار قانون الحقوق المدنية عام 1964 الذي جرّم التفرقة العِرقية.

وفي أوروبا، اندلعت مظاهرات مايو 1968 في فرنسا، التي ابتدأت بمطالب طلابية تخصّ إصلاح منظومة التعليم، لكنها تناهت بسرعة إلى حراك اجتماعي واسع شارك فيه العمّال والاتحادات النقابية، مما تسبّب في توقّف البلاد لأسابيع ودفع الحكومة الفرنسية إلى إعادة النظر في توجّهاتها الاجتماعية والماديّة  (5).

أما في أوروبا الشرقية، فقد برزت حركة التضامن في بولندا (1980–1989) بوصفها حركة عمّالية مناهضة للنظام الشيوعي، تحت زعامة Lech Wałęsa، وساهمت هذه الحركة بجلاء في تفكيك البنية الشيوعية في بولندا ثم شرق أوروبا فيما بعد.

أما في العالم العربي، فقد شكّل نَضْرَة الربيع العربي (2010-2012) مَرحلة حاسمة في تاريخ الأنظمة، حيث خرج الملايين من المواطنين في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن اعتِراضًا على الفساد والقمع وسُوء الأوضاع المعيشية، كانَت الشرارة الأولى من تونس إثر حادثة محمد بوعزيزي، وتوسَّعت الموجة لِتُطيح بأنظمة حُكم ثابتة فُتح على إثرها المَجال أمام تَغييرات سياسية واجتماعية عميقة (6).

أما في العقد الأخير، فقد برزت تحركات احتجاجية جديدة ذات طابع دولي، من أهمها حركة «احتلوا وول ستريت» في الولايات المتحدة عام 2011، التي رفعت شعار «نحن الـ 99٪» للاعتراض على التفاوت المعيشي وتأثير الشركات العظمى على الشأن العام في الولايات المتحدة، لتغدو رمزاً دولياً لمقاومة اللامساواة، وفي آسيا، شهدت مدينة هونغ كونغ بين عامي 2019 و2020 مظاهرات واسعة ضد مشروع قانون تسليم المطلوبين إلى الصين، داعية إلى الحكم الديمقراطي وصون الاستقلال الذاتي، كما انطلق الفلاحون في الهند عامي 2020 و2021 في تجمعات هائلة دامت نحو سنة، وانتهت بـتراجع الحكومة عن التشريعات الزراعية المثيرة للجدل بعد ثبات سلمي بارز.

من هذه الأمثلة وغيرها، نلاحظ أن أشكال التعبير التي يمكن التي يظهر على إثرها الرأي العام، كثيرة ومتنوعة وهي مرتبطة بما يتوفر للرأي العام من إمكانيات وشروط ومجالات تسمح بذلك، وإلا فهو قد يتمظهر أيضًا في شكل فوضى وعنف وأشكال التعبير الراديكالية.

يحدثنا علم النفس الاجتماعي، أن الجماعة لا تقوى إلا بمدى تماسك الأفراد المكونين لها وتوافقهم حول القضايا التي يعتبرونها تهديدًا لكيانها، وهذا ما يمكن فهمه من تمظهر الرأي العام بالأشكال التي أتينا عليها سابقًا، حيث تكمن قوة الرأي العام في تعداد الأفراد المكونين له من جهة، وإيمانهم بالقضية التي هم من أجلها يتظاهرون من جهة أخرى


5.      أشكال تمظهر الرأي العام في الفضاء العمومي الافتراضي.

رأينا فيما سبق، أن الفضاء العمومي يلعب دورًا أساسيًا في الديمقراطية، عندما تتوفر لدى المواطنين مجالات للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، فيصبحون مراقبين لعمل وأداء الحكومة، وتوجيه السياسات العامة،

ولأداء تلك المهام، يمكن للرأي العام أن يتمظهر عبر الكثير من أنواع الحوامل، بعضها مهيكل ومنظم في شكل فضاءات فزيائية (الساحات العمومية)، و بعضها الآخر قد يكون افتراضي أي عبر مواقع الإنترنيت في الفضاء الرقمي (مواقع التواصل الاجتماعي، المدونات، بأر المناقشات ..).

أصبح عالم اليوم أقرب لبعضه البعض عبر تعزيز التكاتف خلف مسائل عالمية جعلت ما يقع في أي دولة قابلاً للاطلاع عليه في دولة أخرى كانتهاكات حقوق الإنسان ومخالفات الحد من التسلح والديمقراطية والمساءلة الحزبية، وساهم ذلك على حالة الوضوح في بث المعلومات وما لها من دور في اتخاذ القرار، و مما ساعد على بروز هذا الوضع أيضًا، هو ما أتاحه الفضاء الرقمي كوسيلة إعلام بارزة بخصائص مُميزة تجتذب إليها العديد من المُشاركين ليكون لهم دور رئيسي في صياغة وتشكيل الرأي العام بما توفره من إمكانيات وقُدرات هائلة في التأثير على الآخرين، الأمر الذي جعل منه أحد العوامل التي تؤثر بقوة على الرأي العام، ومن أهم أشكال التعبير عن الرأي عبر هذا الفضاء:

- التجمعات الافتراضية: وهي مواقع على الإنترنت تُمثل محط التقاء لمجموعة من الأفراد يتواصلون مع بعضهم عبر نظم القوائم البريدية أو المراسلات الفورية والمحادثات والنقاشات المستفيضة، يجمعهم اهتمام موحد تجاه مسألة ما، ومن خصائص هذه التجمعات، أنها تتجاوز الحدود الجغرافية والقيم التقليدية بل وحتى الطبقية منها، حيث أصبح الاهتمام المشترك أو الموقف من قضية ما هو الأساس لهذا التجمع، وتتميز هذه الجماعات بتفاعلات إلكترونية مستمرة وتنوع المشاركين فيها، وتلعب دورًا بارزًا في تشكيل الوعي وتكامل القيم الثقافية عبر بروز الثقافة الإلكترونية التي تتسم بالتركيز على المعرفة والمعلومات والأخلاق الجديدة والإبداع، وقد سهّل انتشار تكنولوجيا الاتصال، وصغر العالم، وتزايد وتيرة القضايا الدولية، من تعاظم هذا التحول الذي أخرج التفاعلات من طابعها المحلي إلى طابع ذو بعد عالمي، حيث أصبحت هذه التجمعات الإلكترونية تتصف بعدم الارتباط بمكان فزيائي محدد، ولديها أهداف مشتركة، وتسمح بحرية الانضمام والانسحاب، مما جعلها تظهر كتعبير عن التفاعلات عبر مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، وأبرزت هذه التجمعات "نشطاء الإنترنت" كفاعلين يشاركون بنشاط في المبادرات التي ترتبط بقضايا مجتمعاتهم ووطنهم، مما يكتسب أهمية خاصة في ظل تفكك بعض المجتمعات وعجز المؤسسات التقليدية عن مواكبة المطالب المتزايدة في ظل الانفتاح العالمي (7)

- المنتديات: هي حُزَم برمجية تُبث على مواقع الشبكة، لتمكين استلام عطاءات ومقترحات ووجهات نظر من قبل كل فرد يُسجّل اسمه في المنصة، وعرضها على باقي المتواجدين في آن واحد، وحينها تتاح الإمكانية لكافة الأعضاء الآخرين لمطالعة المُشاركة فوراً والتعقيب عليها في ذات اللحظة، سواء بالموافقة أو الرفض أو بالذود أو بالهجوم، ومن هذا يتكون النقاش التعددي بوضوح ودون حدود.

- وسائل التواصل الاجتماعي: يشير مصطلح وسائل التواصل الاجتماعي إلى المحتوى المُنشأ والمُشارك على منصات التواصل الاجتماعي، وقد يأخذ أشكال عدة مثل النصوص أو الصور أو مقاطع فيديو، أو أي صيغة أخرى منشورة على منصات مثل فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام.

- النشطاء الرقميون: النشطاء الرقميون هم أفراد أو مجموعات تستخدم التكنولوجيا الرقمية والإنترنت للمشاركة في مناقشة القضايا ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي أو كل ما يخص الشأن العام، والتأثير على القرارات من خلال نشر المعلومات على نطاق واسع والدعوة إلى التغيير.

- المجموعات والمواقع الإلكترونية: منصات إلكترونية تتيح للمستخدمين إنشاء وإدارة مجموعات أو صفحات مخصصة لمواضيع أو تجمعات اجتماعية محددة، يتفاعل أعضاء هذه المجموعات والصفحات مع بعضهم البعض، ويشاركون في النقاشات ويتشاركون المحتوى ذي الصلة.

- مساحات العرض الرقمية: تُعد العروض الرقمية شكلاً من أشكال التعبير، يتضمن استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم مسيرات أو تجمعات افتراضية للترويج للتغيير أو الاحتجاج على قضايا محددة.

- حملات التواصل الاجتماعي: حملات التواصل الاجتماعي هي أنشطة تستخدم منصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات أو رسائل تتعلق بقضايا اجتماعية أو سياسية محددة، قد تتضمن هذه الحملات وسومًا أو منشورات ذات صلة بالموضوع.

- المناصرة الاجتماعية عبر الإنترنت: يشير هذا المصطلح إلى استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتشجيع الناس على المشاركة في أنشطة اجتماعية أو تطوعية لدعم القضايا الإنسانية أو البيئية.

                هذا وقد ساعد ظهور هذه الحوامل وتطورها بالشكل الذي نعرفه عنها اليوم، هو التحول الذي شهده الفضاء الرقمي من مجرد أداة إعلامية، إلى واسطةً ومورداً رئيساً للبيانات التي تُتاح باستمرار حول مختلف القضايا والمحاور، وهذه البيانات قد تكون صائبة ضمن أُطرها المعتادة، وقد تُستلب منها فتتبدل معانيها، وقد تكون بيانات غير مكتملة ومُحرَّفة، بل وربما تكون مُختلَقة، كما أنها قد تكون بيانات مُحايدة لا يُراد منها دعم توجُّه مُحدّد، وقد تكون بيانات مُوجَّهة، وهذه البيانات والمعارف المُتنوعة تُشكّل الركيزة الأساسية التي عبرها تستطيع القنوات الإعلامية إحداث أصناف مُتباينة من التأثير سواء بحده الأدنى أو الأقصى.

هذا ما يمكن أن يقدمه الفضاء الرقمي من حوامل التي يمكن أن تكون منابر لتمظهر الرأي العام، ومن المُحتمل أن يُحدِث تَقدم هذه الحوامل جراء التطور التكنولوجي المقبل، الانخراط الواسع و المتزايد لشرائح كبيرة من المجتمع و من مختلف أطيافه في تشكيل الوعي العام، وبناءً عليه مُشاركة أشمل في مراحل اتخاذ القرار، إذ أسفرت الثورة التكنولوجية وما وَفَّره الإنترنت، إمكانية مُساهمة أي شخص في الشأن السياسي، و بروز جهات فاعلة وشركاء جدد في الحياة السياسية ومن أولئك الأفراد الذين اكتسبوا القدرة على أداء دور الصحفي والإعلامي وكذلك المدونين وحتى القراصنة (الهاكرز) الذين يضطلعون بدور في الهجوم والاعتراض والمُناهضة للنظام السياسي القائم والتأثير على الأمن الرقمي وعلى بنية تكنولوجيا التواصل والمعلومات، كما أتاحت هذه الحوامل عبر الإنترنت أيضًا، وجود تجمعات شبابية ليست على المستوى المحلي فقط، بل و العالمي أيضًا تمتاز بطابعها التأثيري القوي، و هي تزداد عددا و يزداد معها تلاقي الشباب في أطراف مختلفة من العالم،  لمُناقشة مسائل جوهرية وحساسة مع محاولة تنسيق المواقف بشأنها أو بغرض جمع التبرعات، إن هذه التحالفات الافتراضية ليست مجرد أماكن للترفيه والتسلية، بل تمثل ميادين عامة حقيقية، الشباب هم من يشكلون فيها الرأي العام، حيث يسهمون في خلق هذا الرأي من خلال المعرفة الجماعية وينفذون حركات تعبيرية، إنها صورة معاصرة لمقاهي التي ظهرت في القرن الثامن عشر، لكن على نطاق عالمي وفوري، مما يعيد تصور مفهوم المواطنة والمشاركة في العصر الرقمي.

خاتمة.

أردنا من خلال هذه المحاولة، التنبيه إلى أهمية الرأي العام وأهمية الفضاء العمومي الرقمي، ومنه أهمية دراسته حتى يمكن التنبؤ بتحركاته بخاصة إذا كان بسير في الاتجاه غير الصحيح أو حول قضايا تمس الاستقرار العام، هذا لا يعني قمعه أو الحد من حقه في التعبير وإبداء الرأي، لكن في إمكانية أن يتجه الرأي العام إلى اتجاه تم تغليطه فيه، أو لفهم التيارات، وتوجيه النقاش، وإدارة الرأي العام بدلاً من كبته كلياً فالمراقبة هنا تعطي الخريطة الكاملة للتيارات الفكرية والتحالفات والتهديدات المحتملة.

الكل يعلم ما للفضاء الرقمي من سهولة في الاستعمال وفي جودة ما يعرضه من صور وصوت و سرعة الحصول على المعلومة و سرعة نشرها .. كل ذلك جعل الرأي العام أكثر مرونة في تشكيله وانتشار القضايا التي يعالجها، كما أنه – الفضاء الافتراضي – مفتوح لكل من تتوفر لديه بعض الوسائل الإلكترونية البسيطة دون أي عائق، كل هذه المؤشرات توحي بصعوبة تأطير الرأي العام وصعوبة التنبؤ باتجاهه حتى أن البعض يرى أن السلطة السياسية في عصرنا الحالي، تريد أن تكون طرفًا في الرأي العام من الداخل (الجماعات البؤرية، جماعات النقاش، الذباب الإلكتروني ..) حتى يمكن قياس نبض الشارع كما يُقال والتنبؤ المبكر بالقضايا التي قد تتفجر قبل وصولها إلى وسائل الإعلام التقليدية أو الشوارع، وقد يكون ذلك مثلاً عبر نشر بيانات مطمئنة أو تصريحات في حسابات رسمية أو غير رسمية لتخفيف حدة الغضب، كما تساعد معرفة تقلبات الرأي العام في فضاءه الافتراضي، في تجاوز وساطة الإعلام التقليدية والوصول إلى الجمهور مباشرة بنسختها الخاصة من الأحداث ما قد يعزز الشرعية ويبني صلة مباشرة.

في الختام، لا يمكن إغفال أن منصات التواصل الاجتماعي قد خلقت "فضاءً عمومياً جديداً" بامتياز، أعادت تشكيل طبيعة المشاركة الاجتماعية ووجهت الرأي العام بشكل أكثر ديناميكية ووضوحاً، إلا أن هذا الفضاء الجديد ليس بمثابة تحقيق كامل للحلم الهابرماسي، بل هو مساحة مشروطة ومتنوعة، تتداخل فيها ضدين، فهو أداة للتحرر والتضامن العالمي، وفي الوقت نفسه، أداة للهيمنة والاستقطاب، إنه فضاء للمواطن الحر، لكنه قد يصبح سجناً ضمن "فقاعة ترشيح". يعكس هذا الفضاء الرأي العام بينما يُشوه صورته الحقيقية، لذا، فإن الإجابة عن الإشكالية الأساسية تكمن في رفض الثنائيات البسيطة، فالمستقبل لا يحمل تصور بانتصار نظام معين سواء كان التحرر أو الهيمنة، بل يشكل ساحة صراع مستمر، وتمثل مهمة الباحث والناقد، وخاصة طالب الإعلام والاتصال، في فهم قواعد هذه اللعبة المعقدة والمساهمة في بناء فضاء رقمي عادل ومفتوح، يعكس حقوق الإنسان.


الهوامش.

*  يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) هو فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر، ويُعتبر من أهم علماء الاجتماع والسياسة في عصرنا الحديث، والوريث الرئيسي لتركة مدرسة فرانكفورت النقدية.

(1)  حامد ربيع، مقدمة في نظرية الرأي العام. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007، ص 24.

(2) Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society, trans. Thomas Burger with the assistance of Frederick Lawrence (Cambridge, MA: The MIT Press, 1989), 33.

(3) Dominique Wolton, l'espace public, cahiers français, N° 218, Mai - Juin 1997, page 66.

(4)  صغير عباس، فريدة، (تجليات الفضاء العمومي الافتراضي من خلال التفاعل الافتراضي عبر المجموعات الافتراضية). المجلة الجزائرية للبحوث والدراسات، العدد 4، السنة 2018، ص 114 – 137.

- .137 114 ، عدد

 (5) Tesso, May 1968: At the Heart of the Student Revolt in France. Paris: Editions Didier Millet, 2018. (simonandschuster.com).

(6) Masri, Tunisia: An Arab Anomaly. New York: Columbia University Press, 2019. (Columbia University Press)

(7)  مانويل كاستلز (وسائل الاتصال الجماهيرية الفردية الجديدة). مجلة لوموند دبلوماتيك ، أوت 2006.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال